ساعة الصفر| حين يستيقظ الربيع بأمر خالقه.

كان الوقت فجرا، وتسابيح المصلين للتو أنتهت، وفي مثل هذا الوقت لا يعرف راصدو الكائنات الحية أمثالي الركون للفراش، ثمة ما يحرضهم على الخروج، والهدفُ هذه المرة مشاهدة واحدة من أعظم معجزات الله التي تحدثُ حولنا باستمرار ونحن في غفلةٍ عنها؛ لحظة خروج حوريات الرعاش (اليعسوب) من عالمها المائي، والوقوف على لحظة “الانسلاخ” المهيبة. لقد كانت هذه الجولة هي الختام لخمسة أيام متواصلة من البحث الميداني، كانت البداية بتتبع الرعاشات ومحاولة تسجيل أول الواصلين من الطيور الربيعية. الطبيعة بدت كريمة جدا فاق كل التوقعات، للحد الذي يحرض على توثيق وتدوين هذا اليوم المدهش بمشاهداته ضمن هذا المقال العابر، رغم أن الكرم هو دأبها المعهود مع من يتأملها بقلبه.

كان الوصول للموقع المقصود قبل طلوع الشمس؛ الأجواء تميلُ للبرودة اللطيفة (بين 15 و20 درجة مئوية)، مع نسمات رقيقة للرياح ورذاذ خفيف من المطر يغسل وجه الأرض. ومع تجاوز الوقت لموعد الشروق الفعلي، بدت الشمسُ “خجولة” وهي تزاحم الغيوم الكثيفة، تحاول جاهدةً أن تكون حاضرةً في المشهد، فنتج عن ذلك “إضاءة سحرية” لو حاول أفضل المصورين المحترفين تكوينها لما استطاعوا إليها سبيلاً.

التجوال على الرجلين هو السبيل لاكتشاف أطراف المستنقعات، والبحث عن حوريةٍ شجاعة تتحدى الظروف الجوية لتبدأ الانسلاخ. ورغم أن كل المؤشرات كانت تقول “لا فرصة لخروج الحوريات اليوم”، إلا أن رغبة المراقبة كانت حاضرة بقوة. إن هذه الكائنات ذكية بشكل لا يصدق؛ حساباتها دقيقة، فهي لا تقرر الخروج إلا بتوفر ظروفٍ هندسية من أشعة الشمس وسرعة الرياح والرطوبة. وليست الظروف الجوية وحدها ما يشغل بالها، بل هي تخوض مغامرة “الموت أو الحياة”؛ يجب أن تتأكد أنها قادرة على الطيران قبل وصول “جيوش الجائعين” من الطيور المهاجرة التي وصلت للتو تعبةً وبحاجة ماسة للغذاء، بينما العناكب قد نصبت شراكها في كل ممرٍ بانتظار تلك الرعاشات الضعيفة.

دهشة عارمة يبعثها هذا المشهد، مشهد يدفع لتسبيح الله الذي يسير الأمور بقدر. أتساءلُ دائماً: هل يهيئ الله الأرض والنبات والحشرات لتكون “مائدةً” للطيور؟ أم هو توازنٌ كوني يستلزم وصول هذه الطيور للتحكم في أعداد الحشرات؟ يذهلني الفارق بين الأمس واليوم! أين ذهب مشهد الشتاء الشاحب؟ وتلك النباتات التي أضمر البردُ نموها، كيف انبثقت أزهارها اليوم ونبضت ألوانها بالحياة؟ من أين حضرت كل هذه الحشود من الفراشات، والعث، والرعاشات، والبعوض؟ كيف تدفقت أعدادها بهذا الشكل الذي لا يكاد يصدقه عقل؟

وفي خضم هذه التساؤلات، يطل فجأة أول فرد من طائر الأبلق الأبقع – الفقاقة البقعاء (Pied Wheatear). .. مشاهدة الوصول الأول لترتفع نشوة الحب في القلب بشكل لا يوصف. بدأت تتوالى من جهة الغرب واحدة تلو أخرى حتى أحصيت عشرة منها؛ هي الآن “تستلم” المكان الذي سيكون ملكاً لها. وعلى بعد كيلومترات، كان مشهد “تبادل السلطة” يبلغ ذروته؛ وصل طائر الدغناش الشامي – القحافي (Masked Shrike) واختار شجرة عالية تتوسط قصب المستنقع، وهي ذات الشجرة التي استأثر بها النهس الداوري – الأشول (Daurian Shrike – Lanius isabellinus) طيلة الشتاء. كأنما جاء “القحافي” ليقول له: “انتهى وقتك، والآن المكان لفرسان الربيع”. صراعٌ سريع انتهى بفوز القحافي، لكنه لم يهنأ، فقد وصل الصرد الرمادي الكبير – الحمامي (Great Grey Shrike) ليدخل معه في معركة أخرى انتهت بفوز الأخير.

حين النظر لأسفل تلك الشجرة، يمكن معرفة سر هذا التكالب على “الموقع الاستراتيجي”؛ فأسفلها مباشرة كان المكان يزخر بـ الرحال البدوي – الرعاش الأحمر المهاجر (Red-veined Darter – Sympetrum fonscolombii) الذي تكاثرت أعداده بشكل لا يصدق، لتبدأ أول طيران لها فوق الماء كحشرة كاملة بعد شتاء طويل قضته كحورية في الأعماق.

وعلى حواف المستنقع، تستحضر الذاكرة الآية الكريمة: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}. كانت الأرض تتشقق لتخرج كنوزها من الهالوك (Broomrape) والطرثوث (Cistanche)، بينما تتسابق الحشرات على أزهارها. وفي خضم هذا البعث النباتي، كان الهدهد (Hoopoe) حاضراً بوقاره المعهود، ينبش الأرض بمنقاره الدقيق ليستخرج الديدان والحشرات، وكأنه يشارك الأرض بهجتها في استعادة عافيتها. حتى القصب الذي كان صامتاً كالأوتار المهملة طيلة الشتاء، وجد أخيراً “عازفيه”؛ طيور الدخل (Warblers) بدأت عزفها المنفرد، وصار من شبه المستحيل أن ينقطع التغريد للحظة واحدة.

سرعان ما أخذتنا عقارب الساعة إلى التاسعة والنصف صباحاً، الوقت يزاحم رغبات المشاهدة، والعودة تصبحت ملحة للحفاظ على طاقة الصيام والوصول قبل الزوال. انتهت الجولة، لكن لم تنتهِ الدهشة. لا يمكن توصيف كل ما رأيناه، لكنني المشاعر الكثيفة كانت تدفع لتدوين هذه المشاهد؛ لتخليدها في الذاكرة، ولتكون دعوةً صادقة لكل “القابعين بعيداً عن الطبيعة” بأن يهبوا أنفسهم فرصةً لاستشعار الحياة، والتأمل في ملكوت الله الذي يحيي الموات في لحظة صدقٍ واحدة.

شارك المقال