حقل البرسيم | الفراشات أكسل الحشرات

السبت 6 ذو الحجة 1447هـ | 23 مايو 2026

في وقتٍ تكتوي فيه معظم المساحات الخضراء بنيران المكافحة الكيميائية ورش المبيدات، وجدتُ في حقل البرسيم بـ “الجارودية” ملاذاً آمناً لم يمسه ذاك الضرر؛ والسر يكمن في كونه علفاً نقياً للماشية، مما يجعله المحمية الطبيعية المثالية، والمقصد الأول لكل من يشتهي مراقبة الحشرات في بيئتها البكر.

و قبل طلوع الشمس بساعة، وانطلقت حيث هناك. ومع تجاوز الوقت لموعد الشروق الفعلي في الرابعة وتسع وأربعين دقيقة، بدت الطبيعة من حولي قد استيقظت بالكامل، إلا “سكان الحقل المدللين”؛ فقد كشفت المشاهدة الميدانية أن الفراشات هي أكسل الحشرات على الإطلاق. فبينما كان الجميع في قمة نشاطه، استغرقت الفراشات ما يقارب الساعة والنصف بعد الشروق لتبدأ بالخروج من مخدعها ونفض غبار النوم عن أجنحتها.

داخل هذا المسرح الأخضر، رصدتُ صراعاً خفياً على السيادة والغذاء؛ كانت “فراشة النمر العادية” (Danaus chrysippus) هي المتسيدة بلا منازع، تمشي بخيلاء ووقار، لا تهاجم أحداً ولا يجرؤ أحدٌ على مدافعتها. وعلى النقيض، كانت “فراشة البرسيم الصفراء” ( Clouded Yellow – Colias electo) هي الأكثر تعرضاً للمضايقات؛ فرغم سرعتها الجنونية ومناوراتها الشديدة، إلا أنها كانت هدفاً لهجمات متكررة من بقية الأنواع بمجرد دخولها الحقل.

أما الغلبة العددية والنشاط الهجومي، فكان لفرسان الحقل من فراشات “نطاطة الدخن” (Pelopidas thrax)، التي سجلت الحضور الأكبر في أرجاء الحقل، بجانب أعداد جيدة من “فراشة الحشائش الداكنة الزرقاء” (Zizeeria karsandra). وفي خضم هذا الحراك، حضرت “فراشة زهرة الثالوث الزرقاء” (Junonia orithya) بجمالها الآسر، و”فراشة الزرقاء ذات الذيل الطويل” (Lampides boeticus) بأعداد أقل، لتكتمل لوحة التنوع البيولوجي لهذا الصباح.

لم يقتصر المشهد على الفراشات، فالحقل كان يضج بحياة موازية بدأت باكرة جداً؛ رصدتُ “الرعاش القرمزي” و”البنفسجي”، و“الرعاش الأسود الصغير”، وتشكيلة متنوعة من الذباب الطائر التي لم تعرف الكسل الذي ران على الفراشات.

سرعان ما أخذتنا عقارب الساعة إلى السابعة صباحاً، وانتهت الجولة لكن لم تنتهِ الدهشة. إن حقل البرسيم ليس مجرد مساحة خضراء، بل هو مسرح لعمليات البقاء، ودعوة مستمرة للتأمل في ملكوت الله الذي جعل لكل كائن طقوسه وحساباته الدقيقة في دورة الحياة.

شارك المقال