للحمام وجوه أخرى لا تألفها عامة الناس | Columbidae

ارتبط الحمام في الوعي الجمعي بمشاهد المدن وساحات المساجد وأطراف الشوارع؛ طائر أليف يتقاسم مع الناس فتات الخبز، حتى خُيل للكثيرين أنه كائن بسيط لا يحمل في جعبته أسراراً برية. لكن الواقع المملكة يكشف وجوه مغايرة للحمام ، فخلف هذا الحضور المستأنس تقف فصيلة عريقة تضم طيوراً قاطعة، وأخرى متحصنة في أعالي الجبال والغابات العذراء، فضلاً عن أنواع مهاجرة تدفع ضريبة سنوية باهظة أمام فوهات البنادق.

وتتميز فصيلة الحمام واليمام (Columbidae) بخصائص فريدة تفصلها عن سائر الطيور؛ لعل أبرزها قدرتها على شرب الماء بالسحب المستمر دون الحاجة لرفع رؤوسها إلى الأعلى، بالإضافة إلى تغذية صغارها بما يُعرف بـ “حليب الحوصلة” الذي يفرزه الأبوان معاً. تضم الفصيلة عالمياً أكثر من 340 نوعاً، سُجل منها في القائمة الرسمية للطيور في المملكة العربية السعودية 11 نوعاً.

وفقني الله لتوثيق 10 أنواع من أصل هذه القائمة، وفيما يلي وقفات وسرد ميداني موجز لكل نوع:

1. حَمَامَةُ الصُّخُورِ / حَمَامُ الدُّحُولِ (Rock Dove)

  • الاسم العلمي: Columba livia
حمام الصخور البري النقي (Columba livia) في بيئته الصحراوية الجبلية

قد تنخدع وتنظنه لوهلة نسخة مكررة من الحمام الذي يملأ باحات المساجد وشرفات المنازل، إلا أن ظنك لن يكن في مكانه. فهذا هو الأصل البري النقي والعتيق؛ طائر الدحول والشقوق الصخرية العميقة والمنحدرات الجبلية البعيدة عن العمران. فلا زال يحتفظ هذا الطائر بحذره الفطري، ونادراً ما يمنحك مسافة اقتراب مريحة؛ إذ يتسارع بالطيران من باطن الأرض بارتقاء عمودي خاطف وسرعة كبيرة تفرقه فوراً عن الحمام المستأنس الهجين الذي اعتاد كسل المدن وألفة البشر.

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر في الدحول والمنحدرات الصخرية والكهوف.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

2. وَرْشَانٌ مَأْلُوفٌ (Common Wood-Pigeon)

  • الاسم العلمي: Columba palumbus
طائر الورشان المألوف (Columba palumbus) مبرزاً البقعة البيضاء على جانب عنقه بين فروع الأشجار في مزرعة المطلاع بدولة الكويت

في دفاتر الرصد خاصتي فالورشان آخر نوع انضم إلى قائمة توثيقي لهذه الفصيلة بعد طول انتظار. إذ كنت أخطط لشد الرحال خصيصاً إلى منطقة الجوف في أقصى الشمال بحثاً عنه وتوثيق وجوده؛ غير أن توفيق الله قصر المسافات وكنت قد رصدته وصورته في دولة الكويت الشقيقة خلال الأسبوع الأول من سبتمبر 2026م.

وبحسب إفادات الراصدين المحليين هناك، فإن هذا الطائر الضخم بدأ يرسخ حضوره تدريجياً عبر تسجيل حالات تفريخ وتمدد بطيء في المنطقة؛ ورؤيته بجسده الممتلئ وتلك البقعة البيضاء الناصعة على جانب عنقه بعد طول ترقب كانت لحظة ميدانية تمنح الراصد شعوراً مستحقاً بالإنجاز.

  • الحالة في المملكة: زائر شتوي ومهاجر عابر غير شائع، مع تمدد إقليمي بطيء وتفريخ مسجل شمالاً.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

3. حَمَامُ الزَّيْتُونِ الأَفْرِيقِيُّ (African Olive Pigeon)

  • الاسم العلمي: Columba arquatrix
حمام الزيتون الأفريقي (Columba arquatrix) في أعالي أشجار غابات محمية ريدة بمنطقة عسير

طائر يرتبط ببيئات الغابات الجبلية البكر؛ لم أحظي معه الإ بمشاهدتين اثنتين فقط، وكلتاهما كانتا في “محمية ريدة” بمنطقة عسير. وعلى الرغم من أن حذره لم يمنحني لقطة ترضيني كمصور، إلا أن الظفر بمشاهدته حراً في تلك المنحدرات الوعرة يرضي طموحي كراصد.

ويعد هذا النوع أحد الشواهد الحية على التداخل الإفريقي في التنوع الأحيائي لمرتفعاتنا الجنوبية الغربية

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر ونادر محلياً، ينحصر في غابات السروات المرتفعة بالجنوب الغربي.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد عالمياً (LC).

4. قُمْرِيٌّ أَوْرُوبِيٌّ / القُمْرِيُّ (European Turtle-Dove)

  • الاسم العلمي: Streptopelia turtur
طائر القمري الأوروبي (Streptopelia turtur) متوقف للاستراحة  خلال رحلة الهجرة الخريفية

تختزل هذه القُمْرِيّة صراعاً أزلياً في بين فوهة بندقية الصياد وعدسة كاميرا المصور، فهي أولويات الإثنين ولعل أصدق ما يجسد هذا المشهد موقف جمعني القدر فيه مع صياد مخضرم، حين عملنا معاً ضمن فريق مسح ميداني لمشروع دراسة بيئية لصالح إحدى الشركات. رصدنا حينها قمرية استقرت على غصن قريب، وكان الإجهاد بادياً على وقفتها بعد رحلة هجرة خريفية شاقة.

حدثني رفيقي الصياد موضحاً أن رغبة الصيادين تتضاعف في هجرة الخريف تحديداً، لكون جسد الطائر يكون مكتنزاً بالشحم الذي جمعه لرحلته؛ ثم قال بنبرة واثقة: “حلاتها على صحن، وحلاتها ببندق اللي تصيدها مو كاميرا.. والله لو تذوقها ما تاكل دجاج بعدها!”. هذا الموقف العفوي يختصر المأساة الحقيقية التي يدفع ثمنها هذا الطائر المسافر؛ فهو يقطع القارات ليواجه ضغط صيد مستمراً جعل أعداده تتراجع عالمياً ليدرج ضمن الأنواع المعرضة للانقراض.

  • الحالة في المملكة: مهاجر عابر شائع في موسمي الربيع والخريف.
  • حالة الحفظ (IUCN): معرض للانقراض (VU) لتراجع أعداده الحاد عالمياً.

5. قُمْرِيٌّ دَاكِنٌ (Dusky Turtle-Dove)

  • الاسم العلمي: Streptopelia lugens
طائر القمري الداكن الجبلي (Streptopelia lugens) في المرتفعات الجنوبية الغربية

في بيئته الجبلية ينعم هذا القمري بحالة من الهدوء وراحة البال بعيداً عن أخطار البنادق؛ فالصيادون يطلقون عليه مصطلح “سُكني”، إشارةً إلى كونه طائراً محلياً مقيماً لا يهاجر، وبالتالي لا يحمل في جسده شحوماً تجعله مطمعاً لهم.

والطريف في الأمر – ولكي أكون صريحاً – أنني وجدتني أتقاسم مع الصيادين هذا البرود في الاهتمام؛ فرغم خصوصيته وتفرده في مرتفعات السروات بنغمته المبحوحة وريشه الداكن، إلا أنه من الطيور القليلة التي لم تنجح في إغوائي كثيرا أو لأقل آنني لا اتوقلتصويرها وتوثيقها بشكل منكر كما غيرها من الطيور ويبقى توثيقها في السجل رقماً مكتملاً وشاهداً هادئاً لا يلح على الذاكرة كثيراً.

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر في المرتفعات الجنوبية الغربية وسلاسل السروات.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

6. فَاخِتَةٌ أَوْرَاسِيَّةٌ / اليَمَامَةُ المُطَوَّقَةُ (Eurasian Collared-Dove)

  • الاسم العلمي: Streptopelia decaocto
الفاختة الأوراسية (Streptopelia decaocto) بطوقها الأسود المميزفي واحة القطيف

يربطني بهذا الطائر علاقة قديمة منذ ايام الطفولة والصبا ، حين كانت أعداده في بساتيننا ومزارعنا القديمة أوفر مما نشهده اليوم. ولطالما خالجني ظن عاطفي قديم بأن تلك النغمات المترددة التي تصدرها حنجرته ليست مجرد تصويت طائر، بل “مواويل عراقية” حزينة كأنها تحاول إيصال رسالة عجزنا عن استيعابها وفهمها.

طائر مألوف بطوقه الأسود الحاسم خلف الرقبة وهديله الثلاثي الرتيب، استطاع التكيف مع البيئات الزراعية وشبه الحضرية بنجاح كبير، وظل محتفظاً بحضوره الهادئ على فروع النخيل وأسلاك الكهرباء.

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر وشائع في الواحات والمزارع والقرى.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

7. اليَمَامَةُ المُطَوَّقَةُ الإِفْرِيقِيَّةُ (African Collared-Dove)

  • الاسم العلمي: Streptopelia roseogrisea
الفاختة المطوقة الإفريقية (Streptopelia roseogrisea) في منطقة جازان

كانت هذه الفاختة أحد الأهداف المحددة على قائمة رحلتي الأخيرة إلى منطقة جازان وفي الحقيقة انك عندما تكون في الحقل تدرك أن الواقع النظري ليس كالواقع.
هناك اتضح لي مدى التشابه البصري المربك بينها وبين فاختتنا الأوراسية، لاسيما حين يتقاطع النوعان في نفس البيئات والموائل بتهامة والجنوب الغربي، مما يضع الراصد في حيرة وترجيح دائم خلف شاشة الكاميرا.

هذا التداخل الميداني دفعني للتساؤل حول وجود حالات هجينة بينهما في مناطق التماس؛ فالتمييز بينهما في المسافات البعيدة يتطلب تركيزاً دقيقاً على درجة شحوب الريش، وبياض أطراف الذيل السفلية، فضلاً عن نبرة صوتها التي تبدو أهدأ وأرق من الهديل الصاخب للأوراسية.

  • الحالة في المملكة: مقيمة متكاثرة في سهول تهامة وسواحل الجنوب الغربي.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

8. دُبْسِيٌّ / يَمَامَةُ النَّخِيلِ (Laughing Dove)

  • الاسم العلمي: Spilopelia senegalensis
يمامة النخيل الدبسي (Spilopelia senegalensis) بريشها الصدري المرقط في بساتين القطيف  بالمنطقة الشرقية

رغم حضوره الطاغي اليوم في كل زاوية وشارع، إلا أن الذاكرة تقف حائرة حين أعود بها إلى سنوات الطفولة في المنطقة الشرقية؛ إذ لا تسعفني الذاكرة بما إذا كان هذا الحضور الكثيف أصيلاً بتلك الفترة، أم أنه ضيف تمكن من فرض وجوده والانتشار بشكل متسارع وغير مسبوق خلال العقدين الأخيرين مستفيداً من التوسع العمراني ووفرة المسطحات الخضراء والحدائق.

يتميز هذا الطائر بصدره المرقط ونغماته المتدرجة التي تشبه الضحك الخافت، وقد غدا رفيقاً دائماً للواحات والبساتين، وصوته خلفية ملازمة لظهيرات الصيف لا يتخيل المشهد بدونه.

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر وشائع جداً وواسع الانتشار في مختلف الموائل.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

9. حِمْحِمٌ / يَمَامَة (Namaqua Dove)

  • الاسم العلمي: Oena capensis

كنا نسميها محلياً في صبانا وبكل عفوية “بيبية جبل”؛ في تشبيه بطائر الدُّرة الهندية (المعروف محلياً بالبيبية) نظراً لطول ذيلها البارز واستقامته، مع إلحاق كلمة “جبل” للإشارة إلى بيئتها البرية المفتوحة.

يمامة رشيقة وصغيرة الحجم ملفتة خاصة الذكر الذي يتمتع بجمال خاص؛ قناع أسود يغطي وجهه وصدره، ومنقار ملون بقاعدة برتقالية وطرف أصفر، مع خطوط بنية ورمادية متناسقة. طيرانها سريع وملاصق لسطح الأرض.

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر وشائع في السهول الرملية والمناطق المشجرة شبه الجافة.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

10. حَمَامٌ أَخْضَرُ بُرْتُقَالِيُّ الصَّدْرِ (Bruce’s Green Pigeon)

  • الاسم العلمي: Treron waalia
الحمام الأخضر برتقالي الصدر (Treron waalia) يتغذى بين أوراق أشجار التين في أودية الجنوب

يمثل هذا الطائر حالة لونية مختلفة تماماً عن النمط السائد في حمام الجزيرة العربية؛ بلونه الأخضر الزيتوني وصدره المصفر المائل للبرتقالي، وهو خبير في التخفي بين أغصان أشجار التين والجميز في بطون أودية الجنوب الغربي، متسلقاً إياها بخفة تذكرك بحركات الببغاوات.

ورغم إعجاب أغلب الراصدين بتلك الألوان الزاهية والتشبع اللوني اللافت، إلا أن ذائقتي ليست كذلك، اجد نفسي أن الألوان الفاقعة والمشبعة لا تستهويني كثيراً، وأجدني أنجذب بطبيعتي نحو الألوان الترابية والرملية الهادئة. تلك التدرجات التي تشبه تضاريس أرضنا وحصاها.

  • الحالة في المملكة: مقيم متكاثر محلياً في أودية ومنحدرات جنوب غرب المملكة.
  • حالة الحفظ (IUCN): غير مهدد (LC).

شارك المقال

1 فكرة عن “للحمام وجوه أخرى لا تألفها عامة الناس | Columbidae”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Picture of فيصل هجول

فيصل هجول

راصد ومصور سعودي من محافظة القطيف، متخصص في توثيق الطيور والحياة الفطرية في المملكة منذ عام 2008. مهتم بنقل المعرفة البصرية وتسليط الضوء على تنوع بيئتنا المحلية.

Scroll to Top