أن تهب نفسك لحظة تتصل فيها مع الطبيعة، وتضع الكاميرا جانباً، وتتفرغ فقط للاستماع إلى أصوات الطيور بعمق، هذا بمثابة بوابة سرية تفتح لك عالماً موازياً تماماً لعالم الصور الذي نسعى لالتقاطه.
الطيور لا تعيش في صمت. هي تتحدث طوال الوقت — تتغنى، تتجادل، تحذر، تتودد، تطلب العون، تعلن عن حدودها. وكل نوع له لهجته الخاصة، وكل فرد له صوته الذي يميزه عن غيره من نفس النوع.
التغريد هو الأكثر تعقيداً وجمالاً. عادة ما يصدره الذكر، وهو يخدم غرضين: إعلان الإقليم، وجذب الأنثى. التغريد غالباً ما يكون طويلاً، موسيقياً، ومتكرراً في ساعات الصباح الباكر. الطيور المغردة — كالشحارير والقنابر والبلابيل — لكل منها مقطوعة خاصة بها.
أما المناداة فهي قصيرة، بسيطة، ووظيفية. تستخدم للتواصل بين الأفراد، خاصة حين يفقدون بعضهم في الغطاء الكثيف.
صوت التحذير هو الأكثر إلحاحاً. حين يشعر الطير بخطر قريب، يصدر صوتاً حاداً ومختلفاً تماماً عن تغريده. والمدهش أن بعض الطيور تستخدم لغة مشتركة مع أنواع أخرى. العقعق العسيري، على سبيل المثال، صوت تحذيره يفهمه طيور أخرى كثيرة في نفس البيئة، فيندفع الجميع للاختباء.
ولعل من أهم ما يميز الأصوات في عالم الطيور، أنها أحد المعايير الرئيسية التي يعتمدها العلماء والراصدون لتحديد هوية نوعٍ عن آخر. فكثيراً ما تكون الأنواع متشابهة في شكلها الخارجي إلى حدٍّ كبير، لكن صوتها يفضح اختلافها. الطير الذي يبدو لعينك نسخةً طبق الأصل من قريب له، قد يكشف صوته أنه نوعٌ مختلف تماماً.
عالم أصوات الطيور أعمق مما قد يبدو، ويكفيك زاوية من زواياه عندما تتجلى الدهشة بالنظر إلى تقليد بعض الطيور لأصوات طيور أخرى، أو حين تحاكي أصوات البشر كما تفعل الببغاوات المستأنسة. لكن مقامنا هنا لا يسع الاستطراد في هذا العلم الشاسع؛ فموضوعنا يتمحور حول ذاتنا نحن المصورين، وكيف استعنا بهذه الأصوات كوسيلة لغاية الحصول على أفضل صورة للطير.
وبما أن الطيور تتواصل بهذه الأصوات، يعمد بعض مصوري الطيور — وأنا منهم أحياناً — إلى تشغيل أصوات مسجلة في الميدان، مناداةً لطائرٍ يصعب رصده بالعين المجردة. لكن الاستجابة ليست مضمونة أبداً. من تجارب ميدانية كثيرة، يتضح أن بعض الأفراد قد يقترب مندهشاً وبعضها قد لا يُعرِ اهتماماً بالمرة. بل وأن ليس كل نوع من الأصوات قد يتجاوب معها الطير؛ فقد يتجاوب مع التغريد ولا يتجاوب مع المناداة، أو العكس.
هذا ليس عناداً من الطير — وإنما هو مرتبط بعدة عوامل علمية. الحالة الفسيولوجية تلعب دوراً كبيراً: الطير الذي هو في قمة جهوزيته التكاثرية يكون أكثر عدوانية تجاه أي دخيل يدخل إقليمه، وبالتالي يتجاوب بقوة. بينما الطير الذي يمر بمرحلة راحة بعد التفريخ قد يتجاهل المناداة تماماً. ونوع الصوت نفسه يحدث فرقاً: التغريد يستدعي ذكراً آخر يعتقد أن هناك منافساً على إقليمه، بينما المناداة قد تستدعي أنثى أو ذكراً يبحث عن شريك. اختيار النوع الخطأ يعني عدم استجابة.
حين ألجأ للمناداة — وهذا لا يحدث إلا لأنواع محددة وصعبة المنال — أضع لنفسي حدوداً واضحة لا أتجاوزها.
الاستخدام يكون لفترة قصيرة — لا تتجاوز بضع ثوانٍ إلى دقيقة في أقصى الحالات. وسببي بسيط: المناداة المستمرة تستنزف الطير طاقياً، وتجعله يترك غذاءه أو راحته داعياً لصوتٍ لن يجد له مصدراً. وأفضل أوقات الاستخدام — حين أضطر لذلك — هي الهجرة الربيعية. في الربيع، تكون الطيور المهاجرة أكثر راحة نسبياً، والأجواء معتدلة. بينما في الهجرة الخريفية، درجات الحرارة في منطقتنا مرتفعة جداً، والطيور أصلاً تفتقر للسوائل والطاقة بعد رحلة طويلة. إضافة مناداة في هذا الوقت يعني إرهاقاً إضافياً قد يكون له ثمن. وأتجنب بشكل قاطع استخدام الأصوات في أوقات التعشيش والتفريخ. هذه فترة حساسة جداً: الطير إذا ترك عشه باستجابة لصوتٍ مُلقّن، قد يفقد بيضه لفريسة، أو يبرد البيض فيغيّر جدول التفريخ كاملاً.
أتذكر موقفاً غريباً جداً حدث معي. كنتُ أستخدم صوتاً لمناداة لَوَّاءٍ أَوْرَاسِيٍّ في بيئة صخرية. الاستجابة كانت عجيبة — لدرجة أن الطائر اقترب من السماعة التي كانت بقربي تماماً. لم يعرِ أي اهتمام لوجودي، وكأنه كان يبحث عن مصدر الصوت بكل تركيز، متجاهلاً أني أجلس هناك. هذا الموقف علمني درساً: الطيور قد تدخل في حالة تغييب حين تستجيب لمناداة، وهذا يجعلها عرضة للخطر. الطير الذي يفقد حذره تجاه إنسان قد يفقده تجاه عدوٍ طبيعي آخر. وفي أوقات أخرى — بنفس الصوت ونفس النوع — لم يتجاوب الطير نهائياً. فرَّ واختفى بين الصخور. هذا التباين يذكرني دائماً بأننا لا نملك زر تحكم بالطيور، وأن استخدام الصوت ليس علماً دقيقاً، بل هو تخمين يحتمل الخطأ.

أما عن أجمل الأصوات التي تدهشني في الميدان هو صوت الواق الديدركت. ليس فقط لأنه صوتاً موسيقياً ومميزاً، بل لأنه يشعل حرباً صامتة في الأشجار. الواق الديدركت من الطيور التي تستخدم استراتيجية التطفل التكاثري. تضع أنثاه بيضها في أعشاش النساج أو الحباك، وتتركها لهذه الطيور الصغيرة لتربيتها. حين يُسمع صوت الواق، يقوم النساج أو الحباك فوراً بمطاردته. يعرف هذا الطائر الصغير — رغم حجمه المتواضع — أن صوت الواق يعني خطراً على بيضه وأعشاشه. الصراع في الميدان رائع: صوت الواق يُطلق، والنساج يهاجم، والغابة تتحول إلى مسرح حرب صغير. هذه لحظات لا يمكنك تصويرها إذا لم تكن تستمع أولاً.

إذا كنتَ مهتماً بتعلم أصوات الطيور، هذي المصادر التي أستخدمها وأوصي بها. xeno-canto.org — أكبر قاعدة بيانات أصوات طيور في العالم، مجانية، مفتوحة، ويصنفها هواة وعلماء. يمكنك البحث باسم النوع العلمي أو العربي أو الإنجليزي من خلال هذا الرابط: https://www.xeno-canto.org
وتطبيق Merlin Bird ID من Cornell Lab يحتوي على مكتبة أصوات ضخمة، ويمكنك من مقارنة الأصوات المتشابهة. تجده في متاجر التطبيقات مجاناً.
لكن لا يوجد تطبيق يعلمك أكثر من ساعة صامتة في وادي طبيعي. ابدأ بتمييز خمسة أصوات فقط، ثم أضف إليها تدريجياً.
في النهاية، نعود لعنوان هذه السطور: في الطيور، الصوت وسيلة لغاية الصورة. نعم، الصوت وسيلة، والصورة غاية. لكن متى تكون الغاية تبرر الوسيلة؟ هذا السؤال أطرحه على نفسي قبل كل مناداة. هل هذا الصوت سيجعل الطير يفقد طاقته، أو يهمل عشه، أو يعرض نفسه للخطر؟ إذا كان الجواب نعم حتى بنسبة ضئيلة — فدع الطير بسلامه. هناك دائماً صورة أخرى تنتظرك، وصوت آخر يمكنك أن تستمع إليه دون أن تتدخل.









1 فكرة عن “الصوت وسيلة لغاية الصورة”
ما شاء الله تبارك الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم الله يوفقك ويسعدك اخي فيصل وينفع بك وبعلمك وعملك
مبدع دوما