لماذا هذه المدونة اليوم؟ | .. رهان التجربة في عصر الخوارزميات

وأنا أسير خطواتي الأولى في هذا الموقع والمدونة الشخصية، أتوقف قليلاً لأجيب نفسي بصدق على سؤال يطرح نفسه: ما الذي يقدمه الموقع الإلكتروني اليوم؟ وهل يستحق بذل الجهد والوقت والمضي قدماً؟!

ولأكون صادقاً مع نفسي، فإن الجواب الحاضر والواقعي، أن لا بريق ولا إقبال اليوم على المواقع الإلكترونية كما كان في السابق، إذا ما نظرنا لواقعنا المتسارع في ظل عصر الذكاء الاصطناعي الذي يمضي بإيقاع سريع لا يمكننا اللحاق به، والذي بات يوفر المعلومة لطالبها في غمضة عين. ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي التي تهب أصحابها سرعة وانتشاراً واسعاً للمحتوى.

ومع كل ما سلف، أرى أن الرهان على ضرورة الموقع والمدونة يأتي من عدة زوايا:

أولاً: مساحتي الخاصة.. بعيداً عن قيود المنصات لا شك أن مواقع التواصل الاجتماعي تمتلك قدرة رهيبة على الانتشار ووصول المحتوى لقاعدة جماهيرية ضخمة. لكن هذا الانتشار مشروط دائماً بالامتثال للخوارزميات المفروضة، والتي لن تستطيع التماشي معها إلا بالتفرغ التام والانصياع لاشتراطاتها؛ إلى أن تجد نفسك وكأنك بتّ “موظفاً” تخدم تلك المنصات وتجاري إيقاعها السريع، بدلاً من كونك صانع محتوى يقدم رسالته باستمتاع وبلا ضغوط.

هنا في الموقع، أمتلك المساحة المتاحة والحرية في طريقة العرض والتنسيق التي تلبي طموحي، بعيداً عن قوالب التواصل الاجتماعي التي لا تتيح لك إيصال محتواك كما ترغب. وفوق ذلك كله، الموقع هو “الأرشيف المستدام” الذي يحفظ إرث السنين ويحمي الصور من خوارزميات الضغط التي تقتل تفاصيلها، ويمنع دفن الجهد الميداني في قاع التحديثات ليُنسى مع الوقت.

ثانياً: روح الميدان.. في مواجهة الذكاء الاصطناعي نعم، الذكاء الاصطناعي يقدم المعلومة والتصميم والتنسيق، وتستطيع أدواته اليوم توليد صور وفيديوهات فيها من الواقعية الشيء الكثير. لكنه أبداً لن يستطيع تقديم “الإحساس والتجربة” اللذين أراهن على تقديمهما في صفحات موقعي.

الآلة لا تدرك حرارة الشمس في الميدان، ولا تعرف معنى الانتظار الطويل لاقتناص لحظة نادرة، ولن تستطيع يوماً إيصال إحساس الصورة الواقعية التي التقطتها عدستي وفق الظروف وتحديات البيئة المحلية. ما أقدمه هنا هو “روح الميدان”، وتلك تجربة إنسانية بحتة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصطنعها.

ثالثاً: التميز عن المواقع المتخصصة.. ووفاءٌ للرواد واضح وجلي وفرة المواقع الرائدة المتخصصة (العربية أو الأجنبية) التي وفرت المعلومة في قوالب علمية رصينة، وقدمت أدلة حقلية متكاملة من معلومات وصور بل وحتى أصوات. التحدي هنا هو ألا أكون مجرد “نسخة” من تلك المواقع التي لن أستطيع مجاراة قدرتها الضخمة، بل أن أجعل “المدونة” هي عصب الموقع؛ لأقدم فيها التجربة الميدانية مدموجة بالمعلومة بطريقة سردية مغايرة تماماً، وبنظرة محلية عميقة.

بالإضافة إلى ذلك، أطمح للعمل في المساحات التي لم تتطرق لها تلك المواقع كثيراً، كتقديم أدلة تصنيفية توثيقية للحشرات (كالفراشات واليعاسيب) إذ لا وفرة لها في المواقع العربية.

ولا يمكنني في هذا السياق، وأنا أضع هذه اللبنات الأولى، إلا أن أقف وقفة إجلال واحترام للرواد الذين مهدوا لنا هذا الطريق الصعب، وأثروا الساحة العربية بجهودهم الشخصية ومواقعهم التي كانت ولا زالت المرجع الأول لنا. وعلى رأسهم الأستاذ القدير عبد الرحمن السرحان (أبو راكان)، الذي أوجه له من هذا المنبر تحية تقدير عظيمة على كل ما قدمه لخدمة الحياة الفطرية في منطقتنا.

رابعاً: وقود للشغف.. ومواصلة المشوار أخيراً، وفي خضم كل هذا، أدركت أن مشروعاً ممتداً كهذا الموقع الإلكتروني ليس مجرد مساحة للنشر، بل هو في حقيقته “وقود للشغف”. في زحمة الحياة وتكرار الخروج للميدان، قد يتسرب الفتور أحياناً إلى أرواحنا، لكن العمل على بناء هذه المدونة، ونبش الأرشيف، وصياغة التجربة لمشاركتها، يخلق دافعاً متجدداً ومحفزاً عظيماً لمواصلة المشوار. إنه المشروع الذي يجعلك تحمل كاميرتك بحماس مضاعف، لتبحث عن قصة جديدة، وتوثيق مختلف، يضيف لبنة أخرى لهذا الكيان الذي يكبر أمام عينيك.

هذه المدونة باختصار، هي زاويتي الهادئة، ومحاولتي البسيطة لنقل التجربة بصدق، وإرضاءٌ مستمر لشغف لا ينتهي بعالم الطبيعة وذوات الريش.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Picture of فيصل هجول

فيصل هجول

راصد ومصور سعودي من محافظة القطيف، متخصص في توثيق الطيور والحياة الفطرية في المملكة منذ عام 2008. مهتم بنقل المعرفة البصرية وتسليط الضوء على تنوع بيئتنا المحلية.

Scroll to Top